مفهوم نص المادة (72) من قانون الاحوال الشخصية من الناحية الشرعية والتطبيقات العملية وما ينبغي أن تكون عليه ؟

مفهوم نص المادة (72) من قانون الاحوال الشخصية من الناحية الشرعية والتطبيقات العملية وما ينبغي أن تكون عليه ؟

:نصت المادة على الاتي

“إذا لم يثبت الضرر تحكم المحكمة برفض الدعوى، فإن استمر الشقاق بين الزوجين فللمتضرر منهما أن يرفع دعوى جديدة بعد صيرورة الحكم باتاً أو (6) ستة أشهر من صدور الحكم الابتدائي أيهما أبعد ما لم يحدث ضرر جديد يُوجب الفسخ أو طرأت ظروف ووقائع جديدة تُقدرها المحكمة، فإن تعذر الإصلاح بينهما، تعين على كل واحد من الزوجين اختيار حكم من أهله خلال الأجل الذي تُحدده المحكمة، وإلا عينت المحكمة حكمين من أهليهما إن تيسـر، وإلا فمن غير أهلهما ممن تُرجى منهما القدرة على الإصلاح، ويُحدد لهما مدة تحكيم لا تزيد على (60) ستين يوماً من تاريخ تعيينهما.”
رتب المشرع الاماراتي على الفشل في اثبات الضرر في المرة الاولى رفض الدعوى ، ورغم أن رفض الدعوى يُقصد به صدور حكم في موضوع الدعوى بعد نظرها، ويترتب عليه إنهاء الخصومة في هذه المرحلة ولا يجوز رفع نفس الدعوى بنفس السبب مجددًا ، الا أن المشرع جعل للدعوى اسماً أخر هو الطلاق للشقاق وأفترض المشرع أن بعد رفض الدعوى الاولى استحالة العشرة وأستمر الشقاق وبالتالي من حق المتضرر أن يرفع الدعوى الثانية ومن ثم أحالة الدعوى الى الحكمين .
من الطبيعي عند التقرير في استحالة العشرة واستمرار الشقاق أن تكون هنالك عشرة حقيقة حتى نستطيع أن نستشف إن كانت هناك استحالة أم لا وهذا يتطلب أن يعيش الزوجان حياة عادية أو على أقل تقدير أن تكون الزوجة موجودة بمنزل الزوجية طيلة هذه الفترة التي حددها المشرع ، ولعل الحكمة من تحديد مدة الستة اشهر هي اتاحة الفرصة للطرفين أن يحاولا تجاوز الخلافات وهذا قطعاً لا يتأتى الا بالعشرة والحياة الحقيقية ، ولكن الواقع العملي عكس ذلك حيث أن الامر يستمر على ما كان عليه الحال في مرحلة الدعوى الاولى وتنتظر الزوجة أو الزوج – بحسب الحال مرور هذه المدة لرفع الدعوى الثانية والوصول الى الطلاق الحتمي وبالتالي تنتفي الحكمة التي أرتاها المشرع من هذه المدة .
وتنتفي تبعاً لذلك المقاصد الحقيقية وهو استقرار ومصلحة الاسرة والتي عبرت عنها المحكمة العليا في كثير من أحكامها :
المقرر أن من ميزة الشريعة الإسلامية الغراء أنها بقدر ما حرصت على حفظ رابطة الزوجية قائمة بين الزوجين باعتبارها مظهراً من مظاهر رقي الشريعة الإسلامية الغراء بالأسرة وعلى ما أمر الخالق سبحانه وتعالى لتكون لبنة طيبة في المجتمع ووفق إطار المادة الخامسة عشرة من الدستور والتي نصت على أن الأسرة أساس المجتمع وقوامها الدين الإسلامي والأخلاق وحب الوطن، ويكفل القانون كيانها ويصونها ويحميها من الانحراف، إلا أنه جعل الطلاق في المرحلة الأخيرة كحل صعب وقاس وأخير لقطع عرى رابطة الزوجية بين الزوجين ووفق الضوابط الشرعية، وذلك أن من أهم العقود التي شدد الإسلام على الناكثين لشروطها بعد انعقاد العقد هو عقد الزواج والذي من شروط صحته أن يكون العقد بصيغة التأبيد لا التأقيت، وذلك أن المعتمد عند أهل السنة والجماعة أن عقد الزواج يكون على التأبيد مدى الحياة ونية الاستمرار في الحياة بين الزوجين، ويجوز للمرأة أن تطلب الطلاق أو الخلع إن وجد ما يدعو لذلك، وذلك لما روى البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وأله وصحبه وَسَلَّمَ: (أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ: اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً، ولكن لا يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق أو الخلع إلا عند وجود ما يدعو إلى ذلك، كسوء العشرة المستمر من الزوج؛ لما روى أبو داود والترمذي وابن ماجه عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّة)، صححه الألباني في صحيح أبي داود.
فقد قرر السادة الحنفية والشافعية والحنابلة عدم إجازة التفريق للشقاق والضرر مهما كان شديداً، لأن دفع الضرر وإزالة الشقاق من الزوج على الزوجة يمكن بغير التفريق والتطليق عن طريق رفع الأمر إلى القاضي والحكم على الرجل بالتأديب والعقوبة المناسبة لزجره وردعه بدون هدم البيت والأسرة وتعريض مصلحة الأولاد للضياع، وقال ابن عابدين الحنفي في حاشيته : “وأما الطلاق فإن الأصل فيه الحظر بمعنى أنه محظور إلا لعارض يبيحه وهو معنى قولهم الأصل فيه الحظر، والإباحة للحاجة إلى الخلاص فإذا كان بلا سبب أصلا لم يكن فيه حاجة إلى الخلاص بل يكون حمقا وسفاهة رأي ومجرد كفران النعمة وإخلاص الإبداء بها وبأهلها وبأولادها ولهذا قالوا إن سببه الحاجة إلى الخلاص عند تباين الأخلاق وعروض البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله تعالى فحيث تجرد عن الحاجة المبيحة له شرعا يبقى على أصله من الحظر”، ويقول ابن قدامة الحنبلي في معرض حديثه عن الطلاق الذي لم تدع حاجة إليه: “وقال القاضي فيه روايتان: إحداهما أنه محرم لأنه ضرر بنفسه وزوجته وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إليه فكان حراما كإتلاف المال ولقول النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار”، الثانية أنه مباح لقول النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم “أبغض الحلال إلى الله الطلاق” وإنما يكون مبغوضا من غير حاجة إليه وقد سماه النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حلالا، ولأنه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها فيكون مكروها” المغني ج8/ 235.. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “ولولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق لكان الدليل يقتضي تحريمه كما دلت عليه الآثار والأصول ولكن الله سبحانه وتعالى أباحه رحمة منه بعباده لحاجتهم إليه أحياناً”، وليس في كل حال، ومما يدل لرواية الحظر ما ذكره الشيخ البهوتي الحنبلي من أنه لا يجب على “الابن” الطلاق إذا أمره به أبوه فلا تلزم طاعته في الطلاق لأنه أمر بما لا يوافق الشرع “كشاف القناع ج5/ 233 .
واذا لم يفطن الحكم المطعون فيه وقضى بالطلاق دون سند شرعي أو مسوغ عقلي أو منطقي ، وبالمخافة لمفهوم الدلالة والعبارة والاقتضاء لقرينة الحكم السابق بالزام المطعون ضدها بالطاعة لعدم ثبوت الضرر، مع عدم تغير الظروف بين الزوجين ، وعدم ثبوت الضرر اللاحق أو استحالة العشرة بالمعروف بينهما أو الشقاق بمفهومه الشرعي فإنه يكون قد أخطأ في فهم الواقع .
الطعن رقم 1029 الصادر بتاريخ 10/10/2022
وعطفاً على كل ما سبق فإنه ينبغي أن تشترط المحكمة لقبول الدعوى الثانية الاتي :
ضرورة أن تثبت الزوجة أنها رجعت وعاشت مع الزوجة لفترة من الزمن ولكن استحالة العشرة بينهما وأن تذكر الاسباب التي جعلت العشرة مستحيلة وينبغي أن تكون الاسباب قوية وتختلف عن الاسباب التي ذكرتها في الدعوى الاولى لكونه قد تم رفضها وأن الضرر الذي أدعت به لم يثبت .
والله ولي التوفيق
المستشار / حاتم عثمان الطيب
مكتب خالد بن جمهور الاحبابي للمحاماة