جلسة 2023/12/21
برئاسة السيد المستشــار/ محــــــــــمــــــــد حــــمــــــد البادي ـ رئيس الهيئـــــة وعضوية السادة المستشارين/ شهـاب عبـد الرحمـن الحمادي، محمد عبدالرحمن الطنيجي، عبـد العزيــز يعكـوبي، المبارك العـوض حسن، سعـد محمد زويـل، عمــر يونس جعـــــرور، أحمــــــد مصطفى أبـــو زيــــد، عصمــــــت بخيـــــت أبو زيــــد
———–
)الطلبين رقمي 4، 5 لسنة 2023 هيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية( (1) قانون “تفسيره.” المحكمـة الاتحاديـة العليـا. محكمـة التمييـز. محكمـة النقـض”سلطتهـا في الرجــوع عـن أحكامهـا.” نيابـة عامة. هيئة توحيــد المبـادئ القضائيـة الاتحـادية والمحليــة “اختصاصها.”
– هيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية. اختصاصها وإجراءات تقديم طلبات توحيد المبادئ القضائية أمامها. المادتين 15، 16 من القانون رقم 10 لسنة 2019بشأن تنظيم العلاقات القضائية بين السلطات القضائية الاتحادية والمحلية. مثال.
-قبول طلب الفصل في التناقض بين مبدأين قضائيين نهائيين في المسألة الواحدة أو رفضه. مناطه.
– تقديم النائب العام الاتحادي ورئيس محكمة التمييز طلبين مسببين لهيئة توحيد المبادئ القضائية. أثره: قبولهما شكلًا. علة ذلك.
(2)قانون “تفسيره.” المحكمة الاتحاديـة العليــا. محكمـة التمييـز. محكمـة النقـض “سلطتهـا في الرجـوع عــن أحكامهـا.” هيئـة توحيـد المبـادئ القضائية الاتحادية والمحليــة “اختصاصها.” – رجوع المحاكم العليا عن الأحكام الجزائية الصادرة منها. جائز. أساس وعلة ذلك. توحيد الهيئةلذلك المبدأ دون ما يخالفه
———–
1- وحيث إن الهيئة تنوه ابتداء إلى أن نص المادة (15) من القانون الاتحادي رقم (10) لسنة 2019 بشأن تنظيم العلاقات القضائية بين السلطات القضائية الاتحادية والمحلية على أن “تختص الهيئة بتوحيد المبادئ القضائية المتعارضة الصادرة عن محكمتين أو أكثر من المحاكم العليا في الدولة، كما تختص بالنظر في طلبات العدول عن مبدأ سبق لها أن قررته وفقًا للإجراءات المحددة في المادة 16 من هذا القانون”، كما أنه ومن المقرر بنص المادة (16) أنه “تقدم طلبات توحيد المبادئ القضائية إلى الهيئة بتقرير مسبب من أي من رؤساء المحاكم العليا في الدولة، أو النائب العام الاتحادي أو النواب العامين المحليين بصورة تلقائية أو بناءًعلى طلب مقدم إليهم من الجهات الحكومية الاتحادية أو المحلية”….، مما مفاده أن مناط قبول طلب الفصل في التناقض بين مبدأين قضائيين نهائيين في المسألة الواحدة أن يكون أحد المبدأين صادرًا عن المحاكم العليا في الدولة أيًا كان مسماها سواء محكمة نقض أو تمييز أو عليا والآخر صادرًا من جهة أخرى من ذات المحاكم أو أكثر بحيث يكون المبدأين قد تصادما – وقت تقديم الطلب – بما يتعذر تغليب أحدهما على الآخر واجتماع تنفيذهما معًا مما يستوجب على الهيئة أن تحسم هذا التعارض بالمفاضلة بين المبدأين أو التوفيق بينهما من حيث الأثر القانوني على المنازعات المتعلقة بين المبدأين المتعارضين، وينتفي مناط قبول الطلب إذا كان المبدآن صادرين عن جهة قضائية واحدة فإن المحكمة العليا لهذه الجهة وحدها تكون لها ولاية الفصل في التعارض وفقًا للقواعد الإجرائية المعمول بها في نطاقها حيث تتولى المحكمة بتلك الجهة إقرار أحد المبدأين المتعارضين أو العدول عن مبدأ مستقر وإصدار مبدأ آخر يخالفه، كما أن الطلبين الماثلين مقدمان ممن له صلاحية تقديمه “سعادة النائب العام الاتحادي، ورئيس محكمة تمييز دبي”، وجاء بتقريرين مسببين ومن ثم فهما مقبولان شكلًا.وإذ كان البين من القرارين الصادرين من محكمة النقض بأبو ظبي في طلبي الرجوع رقمي 4 لسنة 2021 جزائي أبو ظبي، رقم 1 لسنة 2023 تسليم جزائي أبو ظبي إقرار مبدأ قضائي هو “جواز الرجوع في الأحكام الجزائية الصادرة من محكمة النقض-” وهو ما اتجهت إليه المحكمة الاتحادية العليا في القرار الصادر منها في طلب الرجوع رقم 14 لسنة 2022 جزائي جلسة 2022/6/14، والقرار الصادر في الطلب رقم 25 لسنة 2023 جزائي جلسة 2023/8/16، كما أن البين من القرارات الصادرة من محكمة تمييز دبي في طلبات الرجوع أرقام 45، 49، 52، 86 لسنة 2023 تمييز دبي والصادرة عن الطعون أرقام 1194 لسنة 2022، 102، 263 لسنة 2023تمييز جزاء دبي إقرار مبدأ قضائي مخالف وهو “عدم جواز الرجوع في الأحكام الجزائية الصادرة من محكمة التمييز”، ولما كان ذلك وكانت هذه القرارات قد تضمنت مبدأين قضائيين متعارضين حول مسألة واحدة صادرين عن أكثر من محكمة عليا في الدولة – على النحو المبين في المساق المتقدم – مما ينعقد معهالاختصاص لهيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية لنظر طلبي النائب العام ورئيس محكمة تمييز دبي بخصوص هذا التعارض. لما كان ذلك، وكان مبنى التعارض بين المبدأين هو الخلاف حول تطبيقالمادة 190 من قانون الإجراءات المدنية على طلبات الرجوع في المواد الجزائية، إذ اتجهت المحكمة الاتحادية العليا ومحكمة نقض أبو ظبي إلى تطبيق أحكام الرجوع في الأحكام الباتة المعمول بها في قانون الإجراءات المدنية رقم 42 لسنة 2022 بموجب المادة (190) وفي المواد الجزائية استنادًا على الفقرة الخامسة من المادة (1) من قانون الإجراءات الجزائية، بينما اتجهت محكمة تمييز دبي إلى رفض تطبيق الرجوع فيالمواد الجزائية، باعتبار أن المادة (190) من قانون الإجراءات المدنية استثناء منالأصل يجب قصره في نطاق ما استن من أجله وعدم التوسع فيه.
2 – وحيث إن نصوص القانون ومقتضيات العدالة ومبررات تقنين نظام الرجوع تقتضي ترجيح مبدأجواز العدول عن الأحكام الباتة الصادرة من المحاكم العليا في المواد الجزائية تحقيقًا للعدالة وإصلاحًا لما قد يشوب بعض الأحكام الباتة وتوحيدًا لكلمة القانون، للأسباب التالية: الأول أن الفقرة (5) من المادة الأولى من قانون الإجراءات الجزائية نصت على أن “تسري أحكام قانون الإجراءات المدنية على ما لم يرد فيه نص خاصفي هذا القانون.” والبين من هذه الفقرة وجود علاقة بين قانون الإجراءات الجزائية وقانون الإجراءات المدنية، باعتبار أن قانون الإجراءات المدنية هو الشريعة العامة التي تحكم المسائل الإجرائية، وجواز الاستناد إليه لسد أي نقص فيها، وذلك على أساس وحدة الجهة القضائية المختصة بالفصل في الدعاوى المدنية والجنائية أوالطعن فيها بما يعني إمكان تطبيق بعض مبادئ التنظيم القضائي الواردة في قانون الإجراءات المدنية على الدعوى الجنائية أو الطعن فيها في حدود معينة، متى كان ذلك لا يتنافر أو يتعارض معها. وقد وضع المشرع حدود الصلة بين القانونين، وتكون كذلك على النحو التالي: -1إذا كان قانون الإجراءات الجزائية نفسه قد تعرض للمسألة بالحل، وفي هذه الحالة لا محل للرجوع إلى قانون الإجراءات المدنية فيما نص عليه في قانون الإجراءات الجزائية. -2 إذا أحال قانون الإجراءات الجزائية صراحة على حكم من أحكام قانون الإجراءات المدنية، تعين إعمال هذه الإحالة وتطبيق القواعد الواردة في القانون الأخير. -3 إذ لم يرد نص يحكم المسألة المعروضة على القاضي الجزائي في قانون الإجراءات الجزائية فإنه يتعين تطبيق نص المادة 1/5 من قانون الإجراءات الجزائية – الذي ألزم القاضي بالرجوع في ذلك إلى قانون الإجراءات المدنية، ولكن شرط تطبيق هذا المبدأ أن يكون نص قانون الإجراءات المدنية الذي يطبق في الإجراءات الجزائية مقررًا لقاعدة إجرائية عامة، وليس مقررًا لقاعدة استثنائية أو قاعدة خاصة بالدعوى المدنية، فمن ناحية أولى، تأبى قواعد التفسير أن يقاس على الاستثناء، ومن ناحية ثانية، يتعين أن تراعى أوجه الاختلاف بين الدعويين، فلا تطبق على إحداهما قاعدة مستنبطة من طبيعة الأخرى وخصائصها الذاتية. ومن ناحية ثالثة، يجب أن لا تتعارض القاعدة العامة الإجرائية المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية مع المبادئ الحاكمة لقانون الإجراءات الجزائية، والتي تقوم عليها الشرعية الجزائية، بالإضافة إلى أنه ينبغي في مجال سد النقص في قانون الإجراءات الجزائية أو تفسير ما غمض من أحكامه الرجوع إلى المبادئ الإجرائيةالعامة التي تحكم قانون الإجراءات وتتفق مع دوره الذي يقوم به سواء في مجال كيفية اقتضاء الدولة لحقها في العقاب في إطار الشرعية الإجرائية أم في مجالدوره في حماية الحرية الشخصية وضمانات المتهم في الدفاع عن نفسه، وقد تأتي الأحكام من خلال تلك المبادئ بحلول تتفق وقواعد قانون الإجراءات المدنية فيطبقهاالقاضي لا بوصفها قواعد في قانون الإجراءاتالمدنية، وإنما بوصفها حلولًا قاده إليها تفسيره للإجراءات الجنائية، سيما وأن الرجوع لا يتعارض مع طبيعة الدعوى الجزائية بصفة عامة ومع المبادئ الحاكمة لقانون الإجراءات الجزائية، والتي تقوم عليها الشرعية الجزائية بصفة خاصة. السبب الثاني أن الرجوع ليس استثناء، إذ لا يستساغ القول بأن الرجوع استثناء ولا يقاس عليه،لأن الشارع قد أورد النص عليه أيضًا بموجب المادة (32) من قانون الإجراءات المدنية، كمــــا نصت المـــادة (2/265) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (51) لسنة 2023 بإصدار قانون إعادة التنظيم المالي والإفلاس على أن “يكون حكم محكمة الاستئناف في الطعن باتًا لا يجوز الطعن عليه بأي طريق من طرقالطعن، ومع ذلك يجوز الرجوع عن هذا الحكم أمام المحكمة التي أصدرته وفقًا للقواعد الواردة في قانون الإجراءات المدنية.” وهذا يؤكد أن الرجوع ليس استثناء، وإنما هو طريق أو وسيلة أو نهج للإصلاح القضائي تبناه الشارع الاتحادي على غرار الأنظمة العربية والمقارنة. الثالث العلة من الرجوع: العلة من تقرير الرجوع هي الإصلاح القضائي، وهو ما لا يقتصر على الأحكام المدنية، وإنما يشمل الأحكام الجزائية أيضًا. الرابع المقارنات المعيارية، إذ نص عليه القانون الفرنسي صراحة في المادة 626 من قانون الإجراءات الجزائية، ونص عليه قانون الإجراءات الجنائية السوداني الصادر عام 1991 والمعدل عام 1998، وطبقته محكمة النقض المصرية خاصة في الأحكام الجنائية. الخامس، استقر القضاء في دولة الإمارات العربية المتحدة على الأخذ بنظام العدول عن الأحكام الباتة الصادرة من المحاكم العليا في المواد المدنية والجزائية على السواء – عند الاقتضاء – قبل تقنين نظام الرجوع. لما كان ذلك وكانت المسألة المعروضة لا تحتمل إلا حلًا واحدًا، وهو الأمر الذي ترجح معه الهيئة إقرار المبدأ القضائي الصادر من المحكمة الاتحادية العليا ومحكمة النقض بأبوظبي بجواز الرجوع في الأحكام الجزائية الصادرة من المحاكم العليا.
———
الهيئـــــــــــــــــــة
حيث إن وقائع الطلب رقم (4) لسنة 2023 والمقدم من النائب العام للاتحاد، تتحصل في أن محكمة النقض بأبو ظبي قد أصدرت قرارها بتاريخ 2022/2/2 في طلب الرجوع رقم 4 لسنة 2021 جزائي أبو ظبي بقبول الطلب شكلًا وفي الموضوع بالرجوع عن الحكم محل الطلب وإحالة الطعن إلى رئيس محكمة النقض لتشكيلهيئة مغايرة لنظره من جديد، وأسست المحكمة قضاءها على الفقرة الخامسة من المادة (1) من المرسوم بقانون اتحادي رقم 38 لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات الجزائية والتي تنص على أن “تسري أحكام قانون الإجراءات المدنية على ما لم يرد فيه نص خاص في هذا القانون”، والمادة 187 مكرر من المرسوم بقانون اتحادي رقم 15 لسنة 2021 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم 11 لسنة -1992 المقابلة لنص المادة 190 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 42 لسنة -2022، بشأن جواز رجوع محكمة النقض عن القرارات الصادرة منها في غرفة المشورة أو عن حكمها البات من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب من الصادر ضده القرار أو الحكم.
وبتاريخ 2023/8/1 نظرت محكمة تمييز دبي طلب الرجوع رقم 52 لسنة 2023 جزائي دبي وقررت فيه عدم جواز نظر الطلب وأمرت بمصادرة التأمين، وأسست قضاءها على أن المادة 190 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 42 لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات المدنية تسري أحكامها على القرارات أو الأحكام التي تصدر من الدوائر المدنية بمحكمة التمييز دون الصادرة من الدوائر الجزائية، وذلك لأن المشرع قد أفصح عن ذلك القصد في العبارة الأولى من نص المادة التي تفيد جواز رجوع محكمة التمييز عن القرار الصادر في غرفة المشورة وهو ما لا ينسحب إلى الأحكام الصادرة من الدائرة الجزائية بمحكمة التمييز إذ لا تنظر الطعون الجزائية في غرفة المشورة ولا تصدر قرارات منها في تلك الطعون، كما لا تطبق الأوضاع المنصوص عليها في المادة -1/185 التي أشارت إليها المادة 190 – على الطعون الجزائية إذ أنها خاصة بالطعون المدنية وحدها ومن ثم يكون خطاب الشارع في هذا الشأن موجه إلى القرارات والأحكام الصادرة من الدوائر المدنية بمختلف فروعها بمحكمة التمييز فحسب والتي تصدر وفقًا للأوضاع المقررة في المادة 185 من قانون الإجراءات المدنية ولا يمتد حكمها إلى الأحكام الجزائية الصادرة من الدوائر الجزائية، إذ أن القول بغير ذلك يكون فضلًا عن مخالفته لصحيح القانون اجتهاد غير جائز إزاء صراحة النص وتوسعًا في تفسيره ولا يجزئ في ذلك ما هو مقرر من أن قانون الإجراءات المدنية يعتبر قانونًا عامًا بالنسبة لقانون الإجراءات الجزائية يتعين الرجوع إليه لسد ما في القانون الأخير من نقص إذ أن ذلك مقيد بأن تكون القاعدة القانونية الواردة في قانون الإجراءات المدنية لا تأبى على الإعمال على الأحكام الجزائية، إذ أن القاعدة الواردة في المادة 190 المار بيانها لا تصلح للإعمال في الأحكام الصادرة من المحاكم الجزائية لورود اختلاف في طبيعة القواعد القانونية والموضوعية في القانون الجزائي عنه في القانون المدني ومن ثم تكون غير صالحة للتطبيق على القانون الجزائي باعتبار أنها استثناء لا يجوز التوسع فيه، فضلًا عن ما للحكم الجزائي الصادر من محكمة التمييز من حجية على المحاكم المدنية ولا سبيل للرجوع فيه إلا بتعلق الأمر بتوافر حالة من حالات إعادة النظر.
وحيث إنه وعن وقائع الطلب رقم (5) لسنة 2023 والمقدم من رئيس محكمة تمييز دبي، تتحصل في أن هيئة طلبات الرجوع بمحكمة النقض بأبو ظبي قد قررت في الطلب رقم 45 لسنة 2023 بجلسة 2023/4/24 قبول الطلب والعدول عن الحكم الصادر في الطعن رقم 1 لسنة 2023 تسليم جزائي الصادر بتاريخ 2023/3/27 وأحالت الطعن إلى محكمة النقض لتشكيل هيئة مغايرة لنظره من جديد وأمرت برد الرسوم ومبلغ التأمين، تأسيسًا على أن الحكم الجزائي لم يعرض لدفاع الطاعن الجوهري ولم يمحصه ويقل كلمته فيه مما يشوبه بالقصور، بينما ذهبت محكمة تمييز دبي في طلبات الرجوع أرقام 45، 49، 86 لسنة 2023 في الطعون أرقام 1194 لسنة 2022، 102، 263 لسنة 2023 تمييز جزاء دبي إلى عدم جواز طلب الرجوع في القضايا الجزائية أيًا كان نوع الاتهام فيها وأيًا كان وجه الرأي فيها تأسيسًا على ذات ما انتهت إليه المحكمة في طلب الرجوع رقم 52 لسنة 2023 المشار إليه بطلب توحيد المبادئ المقدم من النائب العام.
وعلى إثر هذا التعارض بين المبدأين السالفين تقدم النائب العام للاتحاد بطلبه إلى هيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية بتاريخ 2023/9/5 وتقدم رئيس محكمة تمييز دبي بطلبه إلى الهيئة ذاتها بتاريخ 2023/9/11، وطلبا في ختامهما النظر في توحيد المبدأين المتعارضين الصادرين من محكمة نقض أبو ظبي ومحكمة تمييز دبي على النحو المار بيانه.
وحيث إن الهيئة تنوه ابتداء إلى أن نص المادة (15) من القانون الاتحادي رقم (10) لسنة 2019 بشأن تنظيم العلاقات القضائية بين السلطات القضائية الاتحادية والمحلية على أن “تختص الهيئة بتوحيد المبادئ القضائية المتعارضة الصادرة عن محكمتين أو أكثر من المحاكم العليا في الدولة، كما تختص بالنظر في طلبات العدول عن مبدأ سبق لها أن قررته وفقًا للإجراءات المحددة في المادة 16 من هذا القانون”، كما أنه ومن المقرر بنص المادة (16) أنه “تقدم طلبات توحيد المبادئ القضائية إلى الهيئة بتقرير مسبب من أي من رؤساء المحاكم العليا في الدولة، أو النائب العام الاتحادي أو النواب العامين المحليين بصورة تلقائية أو بناءً على طلب مقدم إليهم من الجهات الحكومية الاتحادية أو المحلية”….، مما مفاده أن مناط قبول طلب الفصل في التناقض بين مبدأين قضائيين نهائيين في المسألة الواحدة أن يكون أحد المبدأين صادرًا عن المحاكم العليا في الدولة أيًا كان مسماها سواء محكمة نقض أو تمييز أو عليا والآخر صادرًا من جهة أخرى من ذات المحاكم أو أكثر بحيث يكون المبدأين قد تصادما – وقت تقديم الطلب – بما يتعذر تغليب أحدهما على الآخر واجتماع تنفيذهما معًا مما يستوجب على الهيئة أن تحسم هذا التعارض بالمفاضلة بين المبدأين أو التوفيق بينهما من حيث الأثر القانوني على المنازعات المتعلقة بين المبدأين المتعارضين، وينتفي مناط قبول الطلب إذا كان المبدآن صادرين عن جهة قضائية واحدة فإن المحكمة العليا لهذه الجهة وحدها تكون لها ولاية الفصل في التعارض وفقًا للقواعد الإجرائية المعمول بها في نطاقها حيث تتولى المحكمة بتلك الجهة إقرار أحد المبدأين المتعارضين أو العدول عن مبدأ مستقر وإصدار مبدأ آخر يخالفه، كما أن الطلبين الماثلين مقدمان ممن له صلاحية تقديمه “سعادة النائب العام الاتحادي، ورئيس محكمة تمييز دبي”، وجاء بتقريرين مسببين ومن ثم فهما مقبولان شكلًا.
وإذ كان البين من القرارين الصادرين من محكمة النقض بأبو ظبي في طلبي الرجوع رقمي 4 لسنة 2021 جزائي أبو ظبي، رقم 1 لسنة 2023 تسليم جزائي أبو ظبي إقرار مبدأ قضائي هو “جواز الرجوع في الأحكام الجزائية الصادرة من محكمة النقض-” وهو ما اتجهت إليه المحكمة الاتحادية العليا في القرار الصادر منها في طلب الرجوع رقم 14 لسنة 2022 جزائي جلسة /14 2022/6، والقرار الصادر في الطلب رقم 25 لسنة 2023 جزائي جلسة 2023/8/16، كما أن البين من القرارات الصادرة من محكمة تمييز دبي في طلبات الرجوع أرقام 45، 49، 52، 86 لسنة 2023 تمييز دبي والصادرة عن الطعون أرقام 1194 لسنة 2022، 102، 263 لسنة 2023 تمييز جزاء دبي إقرار مبدأ قضائي مخالف وهو “عدم جواز الرجوع في الأحكام الجزائية الصادرة من محكمة التمييز”، ولما كان ذلك وكانت هذه القرارات قد تضمنت مبدأين قضائيين متعارضين حول مسألة واحدة صادرين عن أكثر من محكمة عليا في الدولة – على النحو المبين في المساق المتقدم – مما ينعقد معه الاختصاص لهيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية لنظر طلبي النائب العام ورئيس محكمة تمييز دبي بخصوص هذا التعارض.
لما كان ذلك، وكان مبنى التعارض بين المبدأين هو الخلاف حول تطبيق المادة 190 من قانون الإجراءات المدنية على طلبات الرجوع في المواد الجزائية، إذ اتجهت المحكمة الاتحادية العليا ومحكمة نقض أبو ظبي إلى تطبيق أحكام الرجوع في الأحكام الباتة المعمول بها في قانون الإجراءات المدنية رقم 42 لسنة 2022 بموجب المادة (190) وفي المواد الجزائية استنادًا على الفقرة الخامسة من المادة (1) من قانون الإجراءات الجزائية، بينما اتجهت محكمة تمييز دبي إلى رفض تطبيق الرجوع في المواد الجزائية، باعتبار أن المادة (190) من قانون الإجراءات المدنية استثناء من الأصل يجب قصره في نطاق ما استن من أجله وعدم التوسع فيه.
وحيث إن نصوص القانون ومقتضيات العدالةومبررات تقنين نظام الرجوع تقتضي ترجيح مبدأ جواز العدول عن الأحكام الباتة الصادرة من المحاكم العليا في المواد الجزائية تحقيقًا للعدالة وإصلاحًا لما قد يشوب بعض الأحكام الباتة وتوحيدًا لكلمة القانون، للأسباب التالية: الأول أن الفقرة (5) من المادة الأولى من قانون الإجراءات الجزائية نصت على أن “تسري أحكام قانون الإجراءات المدنية على ما لم يرد فيه نص خاص في هذا القانون.” والبين من هذه الفقرة وجود علاقة بين قانون الإجراءات الجزائية وقانون الإجراءات المدنية، باعتبار أن قانون الإجراءات المدنية هو الشريعة العامة التي تحكم المسائل الإجرائية، وجواز الاستناد إليه لسد أي نقص فيها، وذلك على أساس وحدة الجهة القضائية المختصة بالفصل في الدعاوى المدنية والجنائية أو الطعن فيها، بما يعني إمكان تطبيق بعض مبادئ التنظيم القضائي الواردة في قانون الإجراءات المدنية على الدعوى الجنائية أو الطعن فيها في حدود معينة، متى كان ذلك لا يتنافر أو يتعارض معها. وقد وضع المشرع حدود الصلة بين القانونين، وتكون كذلك على النحو التالي: -1 إذا كان قانون الإجراءات الجزائية نفسه قد تعرض للمسألة بالحل، وفي هذه الحالة لا محل للرجوع إلى قانون الإجراءات المدنية فيما نص عليه في قانون الإجراءات الجزائية. -2 إذا أحال قانون الإجراءات الجزائية صراحة على حكم من أحكام قانون الإجراءات المدنية، تعين إعمال هذه الإحالة وتطبيق القواعد الواردة في القانون الأخير. -3 إذ لم يرد نص يحكم المسألة المعروضة على القاضي الجزائي في قانون الإجراءات الجزائية فإنه يتعين تطبيق نص المادة 1/5 من قانون الإجراءات الجزائية – الذي ألزم القاضي بالرجوع في ذلك إلى قانون الإجراءات المدنية، ولكن شرط تطبيق هذا المبدأ أن يكون نص قانون الإجراءات المدنية الذي يطبق في الإجراءات الجزائية مقررًا لقاعدة إجرائية عامة، وليس مقررًا لقاعدة استثنائية أو قاعدة خاصة بالدعوى المدنية، فمن ناحية أولى، تأبى قواعد التفسير أن يقاس على الاستثناء، ومن ناحية ثانية، يتعين أن تراعى أوجه الاختلاف بين الدعويين، فلا تطبق على إحداهما قاعدة مستنبطة من طبيعة الأخرى وخصائصها الذاتية. ومن ناحية ثالثة، يجب أن لا تتعارض القاعدة العامة الإجرائية المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية مع المبادئ الحاكمة لقانون الإجراءات الجزائية، والتي تقوم عليها الشرعية الجزائية، بالإضافة إلى أنه ينبغي في مجال سد النقص في قانون الإجراءات الجزائية أو تفسير ما غمض من أحكامه الرجوع إلى المبادئ الإجرائية العامة التي تحكم قانون الإجراءات وتتفق مع دوره الذي يقوم به سواء في مجال كيفية اقتضاء الدولة لحقها في العقاب في إطار الشرعية الإجرائية أم في مجال دوره في حماية الحرية الشخصية وضمانات المتهم في الدفاع عن نفسه، وقد تأتي الأحكام من خلال تلك المبادئ بحلول تتفق وقواعد قانون الإجراءات المدنية فيطبقها القاضي لا بوصفها قواعد في قانون الإجراءات المدنية، وإنما بوصفها حلولًا قاده إليها تفسيره للإجراءات الجنائية، سيما وأن الرجوع لا يتعارض مع طبيعة الدعوى الجزائية بصفة عامة ومع المبادئ الحاكمة لقانون الإجراءات الجزائية، والتي تقوم عليها الشرعية الجزائية بصفة خاصة. السبب الثاني أن الرجوع ليس استثناء، إذ لا يستساغ القول بأن الرجوع استثناء ولا يقاس عليه، لأن الشارع قد أورد النص عليه أيضًا بموجب المادة (32) من قانون الإجراءات المدنية، كمـا نصت المـــــادة (2/265) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (51) لسنة 2023 بإصدار قانون إعادة التنظيم المالي والإفلاس على أن “يكون حكم محكمة الاستئناف في الطعن باتًا لا يجوز الطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن، ومع ذلك يجوز الرجوع عن هذا الحكم أمام المحكمة التي أصدرته وفقًا للقواعد الواردة في قانون الإجراءات المدنية.” وهذا يؤكد أن الرجوع ليس استثناء، وإنما هو طريق أو وسيلة أو نهج للإصلاح القضائي تبناه الشارع الاتحادي على غرار الأنظمة العربية والمقارنة. الثالث العلة من الرجوع: العلة من تقرير الرجوع هي الإصلاح القضائي، وهو ما لا يقتصر على الأحكام المدنية، وإنما يشمل الأحكام الجزائية أيضًا. الرابع المقارنات المعيارية، إذ نص عليه القانون الفرنسي صراحة في المادة 626 من قانون الإجراءات الجزائية، ونص عليه قانون الإجراءات الجنائية السوداني الصادر عام 1991 والمعدل عام 1998، وطبقته محكمة النقض المصرية خاصة في الأحكام الجنائية. الخامس، استقر القضاء في دولة الإمارات العربية المتحدة على الأخذ بنظام العدول عن الأحكام الباتة الصادرة من المحاكم العليا في المواد المدنية والجزائية على السواء – عند الاقتضاء – قبل تقنين نظام الرجوع. لما كان ذلك وكانت المسألة المعروضة لا تحتمل إلا حلًا واحدًا، وهو الأمر الذي ترجح معه الهيئة إقرار المبدأ القضائي الصادر من المحكمة الاتحادية العليا ومحكمة النقض بأبو ظبي بجواز الرجوع في الأحكام الجزائية الصادرة من المحاكم العليا.
———
فلهذه الأسباب
قررت الهيئة بالأغلبية في الطلبين (رقمي 4، 5) لسنة 2023 “هيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية” بالاعتداد بالمبدأ القانوني الذي قررته المحكمة الاتحادية العليا ومحكمة نقض أبو ظبي بتطبيق الرجوع المنصوص عليه في المادة 190 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 42 لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات المدنية على القرارات والأحكام الجزائية الصادرة من المحاكم العليا “المحكمة الاتحادية العليا أومحكمة النقض أو محكمة التمييز.”