اتفاق الخصوم على مخالفة قواعد الاختصاص الولائي للمحاكم التي تخضع لجهة قضائية مستقلة. غير جائز. م 5/33 إجراءات مدنية. توحيد الهيئة لذلك المبدأ دون ما يخالفه.

اتفاق الخصوم على مخالفة قواعد الاختصاص الولائي للمحاكم التي تخضع لجهة قضائية مستقلة. غير جائز. م 5/33 إجراءات مدنية. توحيد الهيئة لذلك المبدأ دون ما يخالفه.

جلسة 2023/12/21

برئاسة السيد المستشار/ محــــــــــمــــــــد حــــمــــــد البادي ـ رئيس الهيئــــة وعضوية السادة المستشارين/ شهـاب عبــد الرحمـن الحمادي، محمد عبد الرحمن

الطنيجي، عبـد العزيــــز يعكـوبي، المبـارك العـوض حسن، سعــد محمد زويــل، عمــر يونس جعـرور، أحمـــد مصطفى أبــــو زيــد، عصمت بخيـــــت أبو زيــــد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطلب رقم 2 لسنة 2023 هيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية

(1) قانون تفسيـره.” نيابـة عامة. هيئة توحيـد المبـادئ القضائيـة الاتحادية والمحليـة اختصاصها.”

– هيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية. اختصاصها وإجراءات تقديم طلبات توحيد المبادئ القضائية أمامها. المادتين 15، 16 من القانون رقم 10 لسنة 2019 بشأن تنظيم العلاقات القضائية بين السلطات القضائية الاتحادية والمحلية. مثال.

– قبول طلب الفصل في التناقض بين مبدأين قضائيين نهائيين في المسألة الواحدة أو رفضه. مناطه.

– تقديم النائب العام الاتحادي طلب مسبب لهيئة توحيد المبادئ القضائية. أثره: قبوله شكلًا.

(2) اختصاص الاختصاص المحـلي الاختصاص الولائـي.” إمـارات الاتحاد. دستور. قانون تفسيــره.” نظـام عام. هيئة توحيــد المبـادئ القضائيـة الاتحـادية والمحليـة اختصاصها.”

– المادة 104 من دستور دولة الإمارات العربية المتحدة. مفادها.

– الاتفاق على مخالفة قواعد توزيع الاختصاص بنظر الدعاوى القضائية بين المحاكم الاتحادية والمحلية والمستقلة. غير جائز. علة ذلك.

– الاتفاق على الاختصاص المحلي. جائز. متى تقيد بقواعد الاختصاص الولائي. أساس وعلة ذلك.

– اتفاق الخصوم على مخالفة قواعد الاختصاص الولائي للمحاكم التي تخضع لجهة قضائية مستقلة. غير جائز. م 5/33 إجراءات مدنية. توحيد الهيئة لذلك المبدأ دون ما يخالفه.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

-1 وحيث إن الهيئة تنوه ابتداء إلى أن نص المادة (15) من القانون الاتحادي رقم (10) لسنة 2019 بشأن تنظيم العلاقات القضائية بين السلطات القضائية الاتحادية والمحلية على أن “تختص الهيئة بتوحيد المبادئ القضائية المتعارضة الصادرة عن محكمتين أو أكثر من المحاكم العليا في الدولة، كما تختص بالنظر في طلبات العدول عن مبدأ سبق لها أن قررته وفقًا للإجراءات المحددة في المادة 16 من هذا القانون”، كما أنه ومن المقرر بنص المادة (16) أنه “تقدم طلبات توحيد المبادئ القضائية إلى الهيئة بتقرير مسبب من أي من رؤساء المحاكم العليا في الدولة، أو النائب العام الاتحادي أو النواب العامين المحليين بصورة تلقائية أو بناءً على طلب مقدم إليهم من الجهات الحكومية الاتحادية أو المحلية “…، مما مفاده أن مناط قبول طلب الفصل في التناقض بين مبدأين قضائيين نهائيين في المسألة الواحدة أن يكون أحد المبدأين صادرًا عن المحاكم العليا في الدولة أيًّا كان مسماها سواء محكمة نقض أو تمييز أو عليا والآخر صادرًا من جهة أخرى من ذات المحاكم أو أكثر بحيث يكون المبدأين قد تصادما – وقت تقديم الطلب – بما يتعذر تغليب أحدهما على الآخر واجتماع تنفيذهما معًا مما يستوجب على الهيئة أن تحسم هذا التعارض بالمفاضلة بين المبدأين أو التوفيق بينهما من حيث الأثر القانوني على المنازعات المتعلقة بين المبدأين المتعارضين، وينتفي مناط قبول الطلب إذا كان المبدآن صادرين عن جهة قضائية واحدة فإن المحكمة العليا لهذه الجهة وحدها تكون لها ولاية الفصل في التعارض وفقًا للقواعد الإجرائية المعمول بها في نطاقها حيث تتولى المحكمة بتلك الجهة إقرار أحد المبدأين المتعارضين أو العدول عن مبدأ مستقر وإصدار مبدأ آخر يخالفه، كما أن الطلب الماثل مقدم ممن له صلاحية تقديمه سعادة النائب العام للاتحاد، وجاء بتقرير مسبب، ومن ثم فهو مقبول شكلًا.

لما كان ذلك، وكان الثابت من الحكم الصادر من محكمة تمييز دبي في الطعن رقم 213 لسنة 2017 تجاري والحكم الصادر من المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 670 لسنة 27 ق تجاري والحكم الصادر في الطعن رقم 16 لسنة 2023 تجاري تمييز رأس الخيمة، أن هذه الأحكام تضمنت مبدأين قضائيين متعارضين حول مسألة واحدة على النحو المبين في المساق المتقدم مما ينعقد الاختصاص لهيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية لنظر طلب النائب العام للاتحاد بخصوص هذا التعارض.

-2 المقرر أن النص في المادة 104 من الدستور على أن “تتولى الهيئات القضائية المحلية في كل إمارة جميع المسائل القضائية التي لم يعهد بها للقضاء الاتحادي بمقتضى أحكام هذا الدستور.” يدل على أن لكل إمارة قضاءها المستقل عن الإمارة الأخرى فيما عدا المسائل القضائية التي يعهد بها إلى القضاء الاتحادي بمقتضى أحكام الدستور، ومن ثم فإن اختصاص كل هيئة من هذه الهيئات القضائية يكون مقصورًا على نطاق مكاني معين هو حدود الإمارة التي تمارس فيها ولايتها، فلا يتعداه إلى غيرها من الإمارات الأخرى، وبذلك يشكل القضاء في كل إمارة جهة قضائية مستقلة عن جهة القضاء في باقي الإمارات، وإذ كان تحديد الاختصاص على هذا النحو أمرًا مستمدًا من الدستور، فإنه يكون متعلقا بالنظام العام، ولا يجوز الاتفاق على مخالفته، وتقضي به المحكمة من تلقاء نفسها.

وكان المستقر عليه قضاء أن توزيع الاختصاص بنظر الدعاوى القضائية بين المحاكم الاتحادية والمحاكم المحلية والمستقلة بقضائها عن القضاء الاتحادي هو اختصاص ولائي لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفة قواعده لتعلقها بالنظام العام. ويكون تطبيق نص المادة 5/33 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 42 لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات المدنية بشأن الاتفاق على الاختصاص المحلي ليس مطلقًا، وإنما مقيدًا بمراعاة الاختصاص الولائي المتعلق بالنظام العام. والقول بغير ذلك يعني جر الخصوم إلى محكمة غير مختصة والإخلال بتوزيع القضاء بين الإمارات المختلفة على غير النحو الذي رسمه الدستور، وإثقال عبء المحاكم بقضايا لا تكون من اختصاصها.

لما كان ذلك، وكانت المسألة المعروضة لا تحتمل إلا حلًا واحدًا، وهو الأمر الذي ترى معه الهيئة العدول عن المبدأ الذي أقرته المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 670 لسنة 27 ق تجاري والمبدأ الذي أقرته محكمة تمييز رأس الخيمة في الطعن رقم 16 لسنة 2023 تجاري تمييز رأس الخيمة والمقررين لوجوب إعمال الاتفاق المنصوص عليه بشأن الاختصاص حتى ولو كانت عناصر الاختصاص تتوافر لدى محكمة أخرى تتبع جهة قضائية أخرى خلاف الجهة القضائية التي تتبعها المحكمة المتفق عليها، وإقرار المبدأ القانوني الذي خلص إليه الحكم الصادر من محكمة تمييز دبي في الطعن رقم 213 لسنة 2017 تجاري والذي مؤداه أنه مادامت المادة موضوع النزاع مادة مدنية أو تجارية فلا يجوز الاتفاق على مخالفة الاختصاص الولائي للمحاكم التي تخضع لجهة قضائية مستقلة عن القضاء الاتحادي لكون الاختصاص هنا متعلق بالنظام العام.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الهيئـــــــــــــــــــة

حيث إن الوقائع، على ما يبين من الطلب وسائر الأوراق، تتحصل في أن المدعية “شركة “…. أقامت الدعوى رقم 1020 لسنة 2016 تجاري كلي دبي ضد المدعى عليها “شركة “…. بطلب الحكم بتعيين محكم وفقًا لقواعد مركز دبي للتحكيم الدولي للفصل في النزاع القائم بينهما على سند من أنها تعاقدت مع المدعى عليها كمقاول من الباطن على تصنيع وتركيب أعمال ألومنيوم وزجاج المشروع )بناية (…. وأنها نفذت كافة الأعمال المتفق عليها إلا أن المدعى عليها لم تسدد لها مستحقاتها، ولما كان العقد المبرم بينهما تضمن شرط التحكيم، ومن ثم فقد أقامت الدعوى، حكمت المحكمة بعدم اختصاصها ولائيًّا بنظر الدعوى.

استأنفت المدعية هذا الحكم بالاستئناف رقم 1571 لسنة 2016 تجاري بتاريخ 2017/1/11  فقضت المحكمة بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجددًا باختصاص محكمة دبي ولائيًّا بنظر الدعوى وإعادة الأوراق إلى محكمة أول درجة للفصل فيها. طعنت المدعى عليها على هذا الحكم أمام محكمة تمييز دبي برقم 213 لسنة 2017 طعن تجاري. وبجلسة 2017/5/21 قضت محكمة تمييز دبي في الطعن بعدم جواز الطعن وإلزام الطاعنة بالمصروفات ومبلغ ألفي درهم مقابل أتعاب المحاماة مع مصادرة التأمين، وأسست المحكمة قضاءها على أن المقرر بنص المادة 104 من الدستور أنه “تتولى الهيئات القضائية المحلية في كل إمارة جميع المسائل القضائية التي لم يعهد بها للقضاء الاتحادي بمقتضى أحكام هذا الدستور”، مما مؤداه أن لكل إمارة قضاء مستقل عن الإمارة الأخرى فيما يخرج عن المسائل القضائية التي يعهد بها للقضاء الاتحادي بمقتضى أحكام الدستور، ومن ثم فلا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفة قواعد هذا الاختصاص لتعلقها بالنظام العام، ومن المقرر وفق نص المادة 3/31 من قانون الإجراءات المدنية أن الاختصاص في المواد التجارية يكون للمحكمة التي يقع بدائرتها موطن المدعى عليه أو للمحكمة التي تم الاتفاق أو نفذ كله أو بعضه في دائرتها أو المحكمة التي يجب تنفيذ الاتفاق في دائرتها. ولما كان ذلك، وكان البين من الوقائع أن المستأنف ضدها )المدعى عليها( وهي بإمارة أبو ظبي طرحت عطاء مقاولة أعمال ألمونيوم ورسى العطاء على المستأنفة )المدعية( عن طريق الفاكس في مقرها بدبي، ثم أرسلت المستأنفة عرضها بالفاكس إلى المستأنف ضدها وقد ردت الأخيرة بقبولها العرض المقدم من المستأنفة وأرسلت قبولها عن طريق الفاكس الذي استلمته المستأنفة بمقرها بإمارة دبي. من ذلك يتضح أن هناك إيجاب صادر من المستأنفة ارتبط به قبول المستأنف ضدها وقد علمت المستأنفة بهذا القبول في مقرها بإمارة دبي عن طريق الفاكس فيكون العقد قد انعقد في إمارة دبي “مكان علم المستأنفة بالقبول” وهو ما يوافق نص المادة 31 من قانون الإجراءات المدنية ويكون للمدعي الخيار بين إقامة دعواه أمام المحكمة التي دائرتها موطن المدعى عليه أو المحكمة التي تم الاتفاق أو نفذ كله أو بعضه في دائرتها أو المحكمة التي يجب تنفيذ الاتفاق في دائرتها، ولما كانت المادة موضع النزاع مادة تجارية ومن ثم تكون محاكم دبي مختصة ولائيًّا بنظر الدعوى ولا ينال من ذلك دفاع المستأنف ضدها من أنها اتفقت مع المستأنفة ليكون الاختصاص لمحاكم أبوظبي لأن القضاء في إمارة دبي يشكل جهة قضائية مستقلة عن القضاء الاتحادي وتلتزم محاكمها بحدود اختصاصها المتعلق بالنظام العام فلا يجوز الاتفاق على مخالفته لأنه اختصاص ولائي.

وحيث أقام المدعي الدعوى رقم 120 لسنة 2005 جزئي مدني العين ضد المدعى عليه وطلب فيها الحكم بإلزامه بأن يسدد له مبلغ 32000 درهم، على سند من القول إنه سلمه هذا المبلغ لإنفاقه في شراء لوازم الشركة إلا أنه لم يفعل ولم يرد المبلغ إليه، دفع المدعى عليه بعدم اختصاص محكمة العين لوجود عقد اتفاق بإسناد الاختصاص لمحكمة دبي عن أي نزاع ينشب بين الشركاء، حكمت محكمة أول درجة برفض ذلك الدفع وفي الموضوع بإلزام المدعي عليه بأداء مبلغ المطالبة.

استأنف المدعى عليه الحكم بالاستئناف رقم 292 لسنة 2005 والمحكمة قضت بإلغاء الحكم المستأنف وبعدم اختصاص المحكمة مصدرته محليًّا بنظر الدعوى.

طعن المدعي بالنقض أمام المحكمة الاتحادية العليا بالطعن رقم 670 لسنة 27 ق. وبجلسة 2007/1/16 قضت المحكمة الاتحادية العليا في غرفة المشورة في الطعن رقم 670 لسنة 27 قضائية برفض الطعن، وأسست قضاءها على أن نص المادة 31 من قانون الإجراءات المدنية التي بعد أن حددت عناصر الاختصاص المحلي للمحاكم أجازت في الفقرة الخامسة للخصوم إمكانية الاتفاق مسبقًا على تحديد اختصاص محكمة معينة لنظر النزاع في غير الدعاوى العينية العقارية ودعاوى الحيازة ودعاوى التركات والدعاوى العارضة التي تتبع وجوبًا الدعوى الأصلية، ومؤدى ذلك أنه وفي غير حالات الاستثناء هذه – والتي لا يجوز مخالفة قواعد الاختصاص الآمرة بشأنها – فمتى اتفق الخصوم على إسناد الاختصاص المحلي إلى محكمة معينة وكان لكليهما أهلية التعاقد وحرية الإرادة فإنه لا يجوز لأحدهم بإرادته المنفردة أن يخالف ذلك الاتفاق ويجر خصمه للتقاضي أمام محكمة أخرى ولو كانت قواعد الاختصاص العامة تقضي باختصاصها وذلك إعمالًا للأثر الملزم لكتاب الاتفاق. وكان الطاعن لا يمار أن النزاع – موضوع دعواه – ناجم عن الشراكة التي تربطه بالمطعون ضده وأن عقد الشراكة قد تضمن بنداً يقضي بإسناد الاختصاص إلى محكمة دبي في حال نشوب أي خلاف بين الشركاء فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بعدم اختصاص محكمة العين المرفوعة أمامها الدعوى باختصاصها وذلك إعمالًا للأثر الملازم لكتاب الاتفاق. قد أحسن تطبيق القانون مراعيًّا في ذلك إرادة الطرفين المعبر عنها في بند عقد الشركة المذكور.

كما أقامت المدعية الدعوى رقم 103 لسنة 2022 رأس الخيمة واختصمت فيها المدعى عليها وطلبت في ختامها الحكم بندب خبير حسابي للانتقال إلى مقر المدعى عليهما للاطلاع على ما لديهما من كشوف وسجلات حسابية ودفاتر تجارية وميزانيات سنوية، وبيان أرصدة الحسابات البنكية الخاصة بها، والتغيير في ملكية حصصها وتحديد أرباحها السنوية من تاريخ تسجيلها بالمنطقة الحرة في رأس الخيمة وحتى تاريخ إيداع تقرير الخبرة،

 دفعت الشركة المدعى عليها الأولى بعدم اختصاص محاكم رأس الخيمة بنظر الدعوى واختصاص محاكم دبي وفقًا للبند 2/28 من العقد المبرم بينهما. حكمت محكمة أول درجة بعدم اختصاصها محليًّا بنظر الدعوى.

استأنفت المدعية هذا الحكم أمام محكمة استئناف رأس الخيمة بالاستئناف رقم 54 لسنة 2023 وبتاريخ 2023/3/17 قضت المحكمة بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء باختصاص محكمة رأس الخيمة الابتدائية بنظر الدعوى وإعادتها إليها للفصل فيها. طعنت الشركة المدعى عليها الأولى في هذا الحكم بطريق النقض ونظرت محكمة التمييز الطعن في غرفة مشورة. وبجلسة 2023/7/18 قضت محكمة تمييز رأس الخيمة في الطعن رقم 16 لسنة 2023 – تمييز تجاري – بنقض الحكم المطعون فيه وحكمت في موضوع الاستئناف رقم 54 لسنة 2023 تجاري رأس الخيمة برفضه وتأييد الحكم المستأنف، وأسست قضاءها على أن الأوراق جاءت خلواً من وجود مركز إدارة للشركة الطاعنة في إمارة رأس الخيمة أو فرع نشاطها فيها لتنفيذ عمل قانوني معين وتعلق موضوع النزاع بهذا العمل، وكان الثابت من الاتفاقية المبرمة بين الطرفين بتاريخ 2016/7/1 أن الطاعنة قد اتخذت من مقر المطعون ضدها الثانية والكائن في إمارة دبي مقرًا لها فضلًا من اتفاق الطرفين في البند 2/28 من الاتفاقية موضوع التداعي على اختصاص محاكم مركز دبي المالي العالمي بنظر أية منازعات ناشئة عن تطبيقها ومن ثم فإن محاكم إمارة رأس الخيمة لا تكون مختصة ولائيًّا بنظر الدعوى.

وعلى إثر هذا التعارض بين المبدأين السالفين تقدم النائب العام للاتحاد بطلب إلى هيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية بتاريخ 2023/8/17 قيد برقم رقم 2 لسنة 2023 “هيئة توحيد المبادئ” طلب في ختامه النظر في التعارض السالف بيانه.

وحيث إن الهيئة تنوه ابتداء إلى أن نص المادة (15) من القانون الاتحادي رقم (10) لسنة 2019 بشأن تنظيم العلاقات القضائية بين السلطات القضائية الاتحادية والمحلية على أن “تختص الهيئة بتوحيد المبادئ القضائية المتعارضة الصادرة عن محكمتين أو أكثر من المحاكم العليا في الدولة، كما تختص بالنظر في طلبات العدول عن مبدأ سبق لها أن قررته وفقًا للإجراءات المحددة في المادة 16 من هذا القانون”، كما أنه ومن المقرر بنص المادة (16) أنه “تقدم طلبات توحيد المبادئ القضائية إلى الهيئة بتقرير مسبب من أي من رؤساء المحاكم العليا في الدولة، أو النائب العام الاتحادي أو النواب العامين المحليين بصورة تلقائية أو بناءً على طلب مقدم إليهم من الجهات الحكومية الاتحادية أو المحلية “…، مما مفاده أن مناط قبول طلب الفصل في التناقض بين مبدأين قضائيين نهائيين في المسألة الواحدة أن يكون أحد المبدأين صادرًا عن المحاكم العليا في الدولة أيًّا كان مسماها سواء محكمة نقض أو تمييز أو عليا والآخر صادرًا من جهة أخرى من ذات المحاكم أو أكثر بحيث يكون المبدأين قد تصادما – وقت تقديم الطلب – بما يتعذر تغليب أحدهما على الآخر واجتماع تنفيذهما معًا مما يستوجب على الهيئة أن تحسم هذا التعارض بالمفاضلة بين المبدأين أو التوفيق بينهما من حيث الأثر القانوني على المنازعات المتعلقة بين المبدأين المتعارضين، وينتفي مناط قبول الطلب إذا كان المبدآن صادرين عن جهة قضائية واحدة فإن المحكمة العليا لهذه الجهة وحدها تكون لها ولاية الفصل في التعارض وفقًا للقواعد الإجرائية المعمول بها في نطاقها حيث تتولى المحكمة بتلك الجهة إقرار أحد المبدأين المتعارضين أو العدول عن مبدأ مستقر وإصدار مبدأ آخر يخالفه، كما أن الطلب الماثل مقدم ممن له صلاحية تقديمه )سعادة النائب العام للاتحاد(، وجاء بتقرير مسبب، ومن ثم فهو مقبول شكلًا.

ولما كان ذلك وكان الثابت من الحكم الصادر من محكمة تمييز دبي في الطعن رقم 213 لسنة 2017 تجاري والحكم الصادر من المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 670 لسنة 27 ق تجاري والحكم الصادر في الطعن رقم 16 لسنة 2023 تجاري تمييز رأس الخيمة، أن هذه الأحكام تضمنت مبدأين قضائيين متعارضين حول مسألة واحدة على النحو المبين في المساق المتقدم مما ينعقد الاختصاص لهيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية لنظر طلب النائب العام للاتحاد بخصوص هذا التعارض.

وحيث إنه من المقرر أن النص في المادة 104 من الدستور على أن “تتولى الهيئات القضائية المحلية في كل إمارة جميع المسائل القضائية التي لم يعهد بها للقضاء الاتحادي بمقتضى أحكام هذا الدستور.” يدل على أن لكل إمارة قضاءها المستقل عن الإمارة الأخرى فيما عدا المسائل القضائية التي يعهد بها إلى القضاء الاتحادي بمقتضى أحكام الدستور، ومن ثم فإن اختصاص كل هيئة من هذه الهيئات القضائية يكون مقصورًا على نطاق مكاني معين هو حدود الإمارة التي تمارس فيها ولايتها، فلا يتعداه إلى غيرها من الإمارات الأخرى، وبذلك يشكل القضاء في كل إمارة جهة قضائية مستقلة عن جهة القضاء في باقي الإمارات، وإذ كان تحديد الاختصاص على هذا النحو أمرًا مستمدًا من الدستور، فإنه يكون متعلقا بالنظام العام، ولا يجوز الاتفاق على مخالفته، وتقضي به المحكمة من تلقاء نفسها.

وكان المستقر عليه قضاء أن توزيع الاختصاص بنظر الدعاوى القضائية بين المحاكم الاتحادية والمحاكم المحلية والمستقلة بقضائها عن القضاء الاتحادي هو اختصاص ولائي لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفة قواعده لتعلقها بالنظام العام. ويكون تطبيق نص المادة 5/33 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 42 لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات المدنية بشأن الاتفاق على الاختصاص المحلي ليس مطلقًا، وإنما مقيدًا بمراعاة الاختصاص الولائي المتعلق بالنظام العام. والقول بغير ذلك يعني جر الخصوم إلى محكمة غير مختصة والإخلال بتوزيع القضاء بين الإمارات المختلفة على غير النحو الذي رسمه الدستور، وإثقال عبء المحاكم بقضايا لا تكون من اختصاصها.

لما كان ذلك، وكانت المسألة المعروضة لا تحتمل إلا حلًا واحدًا، وهو الأمر الذي ترى معه الهيئة العدول عن المبدأ الذي أقرته المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 670 لسنة 27 ق تجاري والمبدأ الذي أقرته محكمة تمييز رأس الخيمة في الطعن رقم 16 لسنة 2023 تجاري تمييز رأس الخيمة والمقررين لوجوب إعمال الاتفاق المنصوص عليه بشأن الاختصاص حتى ولو كانت عناصر الاختصاص تتوافر لدى محكمة أخرى تتبع جهة قضائية أخرى خلاف الجهة القضائية التي تتبعها المحكمة المتفق عليها، وإقرار المبدأ القانوني الذي خلص إليه الحكم الصادر من محكمة تمييز دبي في الطعن رقم 213 لسنة 2017 تجاري والذي مؤداه أنه مادامت المادة موضوع النزاع مادة مدنية أو تجارية فلا يجوز الاتفاق على مخالفة الاختصاص الولائي للمحاكم التي تخضع لجهة قضائية مستقلة عن القضاء الاتحادي لكون الاختصاص هنا متعلق بالنظام العام.

فلهذه الأسباب

قررت الهيئة بالإجماع في الطلب رقم (2) لسنة 2023 “هيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية” بالاعتداد بالمبدأ القانوني بعدم جواز اتفاق الخصوم –المنصوص عليه في المادة 5/33 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 42 لسنة 2022 بشأن إصدار قانون الإجراءات المدنية – على مخالفة الاختصاص الولائي للمحاكم التي تخضع لجهة قضائية مستقلة.

Add Comment